جلال الدين الرومي

8

المثنوي المعنوي ( معرب الكفافي )

عنه الرسول بقوله : « أمتي هذه أمة مرحومة » . فالرحمة - كما يرى الشاعر - جاءت من أن الأمة الاسلامية ، ظهرت على مسرح التاريخ بعد غيرها من الأمم ، ورأت ما حاق بهذه الأمم القديمة لطغيانها وعصيانها ، فاتعظت بما رأت ، وكان هذا فضلا من الله ، ورحمة تحققت للمسلمين بوصفهم أمة خاتم النبيين . وإذا أخرجنا المضمون الديني من تقديرنا لهذه القصة ، وقصرنا هذا التقدير على الجانب الفنى وحده ، فإننا نعجب بمقدرة الشاعر على وضع هذا المضمون في ثنايا قصة بسيطة ، قد تروى للأطفال في معرض الوعظ والتعليم . هذا الاستخدام الأخلاقي للقصص ليس مما ابتدعه الشاعر فقد سبقه إلى ذلك كثير من الكتاب والشعراء . ولكن فنّ جلال الدين يتجلى في البناء الذي يقيمه على قصة صغيرة شائعة فيجعل منها عملا فنيا ناضجا . انه يجدد شكل القصة ، إذ يرويها بأسلوبه الخاص ، ويخلق لها المواقف الدرامية ، ويضع لها الحوار ، ثم يخلع عليها مضمونا جديدا ، بأن يفسرها على طريقته ، ويخرج منها بمفهومات ومبادئ جديدة ، لم تكن من قبل مرتبطه بها ولا مفهومة منها . وينبغي ألا يغيب عنا ونحن ندرس الفن القصصى عند الشاعر أنه لم يكن يهدف اليه كغاية ، وانما كان يستخدم القصص كوسيلة لا يضاح آرائه وأفكاره . وكان هذا الأمر سببا في أن الشاعر استخدم المادة القصصية الشائعة من جهة ، وفي أنه لم يكن يسرد القصة كوحدة متماسكة ، بل كثيرا ما كان يصل إلى نقطة منها ، ثم يستطرد من هذه النقطة معلقا عليها ، مستخلصا الحكمة التي تنطوى عليها ، ثم يعود من بعد الاستطراد لرواية القصة . بل إن الظاهر أنه كان يتخذ القصة وسيلة لتشويق المستمع لمتابعة آرائه . وفي بعض الأحيان عبر عن ضيقه لأن المستمع ينشغل قلبه بحوادث القصة عن متابعة مغزاها . ففي قصة « الصوفي والخادم والحمار » نراه يبدأ رواية القصة ، ثم